السيد كمال الحيدري
240
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
حدوده التصوّرية ولا يمكن أن يخطو به الإنسان إلى الموضوعية خطوة واحدة . الدليل الثالث : إن الإدراكات والمعارف البشرية إذا كانت لها خاصّة الكشف الذاتي عن مجال وراء حدودها وجب أن تكون جميع العلوم والمعارف صحيحة ، لأنها كاشفة بحكم طبيعتها وذاتها ، والشيء لا يتخلّى عن وصفه الذاتي ، مع أن جميع مفكّري البشرية يعترفون بأنّ كثيراً من المعلومات والأحكام التي لدى الناس هي إدراكات خاطئة ولا تكشف شيئاً عن الواقع ، بل قد يُجمع العلماء على الاعتقاد بنظرية ما ويتجلّى بعد ذلك بكلّ وضوح أنها ليست صحيحة ، فكيف يُفهم هذا في ضوء ما تزعمه الفلسفة الواقعية من أن العلم يتمتّع بالكشف الذاتي ، وهل لهذه الفلسفة من مهرب إلا التنازل عن منح العلم هذه الصفة ؟ وإذا تنازلت عن ذلك كانت المثالية أمراً محتّماً لأنا لا نستطيع أن نصل حينئذ إلى الواقع الموضوعي عن طريق أفكارنا ما دمنا قد اعترفنا بأنها لا تملك كشفاً ذاتياً عن ذلك الواقع . مناقشته : ولأجل أن نجيب على هذا الدليل يلزمنا أن نعرف معنى الكشف الذاتي للعلم . إن الكشف الذاتي للعلم معناه أن يرينا متعلّقه ثابتاً في الواقع الخارج عن حدود إدراكنا وشعورنا ، فعلْمنا بأنّ الشمس طالعة وأن المثلّث غير المربّع يجعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة المثلّث للمربع ثابتين في واقع مستقلّ عنّا . فهو يقوم بدور المرآة وإراءته لنا ذلك هو كشفه الذاتي ، وليس معنى هذه الإراءة أن طلوع الشمس موجود في الخارج حقاً وأن مغايرة المثلّث للمربع ثابتة في الواقع . فإن كون الشيء ثابتاً في الواقع غير كونه مرئيّاً كذلك ، وبذلك نعرف أن الكشف الذاتي